محمود ماضي
112
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
قد قرأ التوراة والإنجيل وعنهما نقل قرآنه . غير أننا نلاحظ أن المستشرق الأول ساق كلامه دون دليل تاريخي لا يقبل النقض ، فزعم أن محمدا هو الذي كتب بيده صلح الحديبية . وقصة صلح الحديبية معروفة ومشهورة في الكتب الصحاح . التي تؤكد أن علي بن أبي طالب هو الذي كان يكتب . والجدل الذي دار بين رسول اللّه وبين رسول الكفار أشهر من أن ينكر . أخرج الإمام مسلم من حديث البراء بن عازب : « كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » وبين المشركين يوم الحديبية ، فكتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه ، فقالوا : لا تكتب رسول اللّه ، فلو نعلم أنك رسول لم نقاتلك ، قال النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » لعلىّ : امحه . فقال : ما أنا بالذي أمحاه ، فمحاه النبي بيده » « 1 » . و عند مسلم رواية أخرى : « . . فأمر - أي الرسول « صلّى اللّه عليه وسلّم » عليّا أن يمحاه ، فقال على لا واللّه لا أمحاه ، فقال رسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » : أرني مكانها ، فأراه مكانها ، فمحاه وكتب - أي على - ابن عبد اللّه » « 2 » . ويستفاد من رواية الإمام مسلم أن الرسول « صلّى اللّه عليه وسلّم » لم يستدل على العبارة المطلوب محوها إلا بإرشاد علىّ . وفي قول الرسول لعلىّ أي للكاتب : أرني مكانها ، دلالة على أنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة فلجأ إلى الكاتب . هذا عن الواقعة التي أراد ( ستوبرت ) الاستشهاد بها ، ويبدو أنه لم يكلف نفسه مئونة الرجوع إلى المصادر الإسلامية ، واكتفى بالتخمين ، أو يكون قد اطلع على كتب السنة الصحيحة إلا أنه آثر التشويش . أما القرآن فإنه يؤكد حقيقة أمية رسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ وفي قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الجمعة : 2 ] فهل بعد ذلك يقال : إن محمدا كان يعرف القراءة والكتابة ؟ لقد أجاب القرآن بالنفي ، وبرهن بأمية الرسول الكريم على ربانية تعاليمه ، إنه لا يقرر فحسب أنه أمي من شعب أمي ، أي غير متعلم وإنما يؤكد ، بصريح العبارة ، أنه
--> ( 1 ) - أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير . باب صلح الحديبية ج 12 ص 135 بشرح النووي . ( 2 ) - إخراج مسلم : السابق .